بقلم:مريم مستور:
في إسبانيا، حيث ترفع الدولة شعار التعايش وتدعم التنوع الديني، تستفيد هيئات مثل Comisión Islámica de España من إعانات عمومية تُقدَّم تحت عناوين “الاندماج” و”التماسك الاجتماعي”. أموال تُصرف من المال العام، يفترض أن تنعكس على حياة مئات الآلاف من المسلمين، خصوصًا في مدن كبرى مثل Barcelona. لكن، بين النصوص الرسمية والواقع الملموس، تتسع فجوة تثير جدلًا متزايدًا داخل الجالية نفسها قبل غيرها.
تقول الوثائق إن هذه الإعانات تُخصص للتعليم، وتأطير الشأن الديني، وتنظيم الأنشطة الثقافية، وتقديم خدمات داخل السجون والمستشفيات، إضافة إلى دعم برامج الاندماج الاجتماعي. غير أن ما يراه كثير من أبناء الجالية على الأرض مختلف تمامًا. حضور الجمعيات الإسلامية يبدو، في نظر منتقديها، موسميًا ومحدودًا، يطفو خلال شهر رمضان عبر موائد الإفطار وصور المناسبات، ثم يختفي مع نهاية الموسم، دون أثر مستدام في حياة الشباب أو الأسر الهشة.
في المقابل، تشير شهادات متكررة إلى أن العبء الحقيقي في دعم المهاجرين، خاصة الجدد أو في وضعية هشاشة، تتحمله مؤسسات عمومية مثل Servicios Sociales، التي توفر الغذاء والملبس والعلاج، وتعمل على تعليم اللغة الإسبانية ومرافقة الشباب نحو الاندماج. هنا يبرز السؤال الذي يطرحه كثيرون بصراحة: إذا كانت الدولة تموّل الجمعيات الإسلامية من أجل الاندماج، فلماذا لا يظهر أثر هذا التمويل بوضوح، ولماذا تقوم به جهات أخرى بشكل شبه كامل؟
المفارقة التي تزيد من حدة هذا الجدل أن المساجد والجمعيات نفسها لا تزال تعتمد بشكل كبير على تبرعات المصلين، بل وتكثف حملاتها خلال رمضان والأعياد، مستندة إلى خطاب ديني يحث على البذل والعطاء. في الوقت ذاته، تُفرض في بعض الحالات رسوم على خدمات أساسية، مثل دروس اللغة العربية للأطفال، ما يعمّق شعورًا لدى البعض بأن المواطن يدفع مرتين: مرة عبر الضرائب التي تموّل هذه الجمعيات، ومرة عبر التبرعات المباشرة.
ولا تتوقف الانتقادات عند هذا الحد، بل تمتد إلى ما يصفه البعض بغياب الشفافية. فبالرغم من وجود آليات رقابة رسمية، لا تتوفر تقارير مبسطة ومفتوحة للجمهور تشرح بشكل واضح أين صُرفت هذه الأموال، ومن استفاد منها، وما هي النتائج المحققة على أرض الواقع. هذا الغموض يفتح الباب أمام التأويلات، ويغذي الشكوك، حتى في غياب أدلة مباشرة على وجود اختلاسات أو تجاوزات ممنهجة.
في قلب هذا النقاش، يبرز أيضًا سؤال الدور والتمثيل. هل تنجح هذه الجمعيات فعلًا في تمثيل الجالية المسلمة بمختلف تنوعاتها؟ أم أنها تحولت إلى هياكل إدارية بعيدة عن هموم الناس اليومية؟ بالنسبة لكثير من المنتقدين، المشكلة لا تكمن فقط في حجم التمويل، بل في طريقة تدبيره، وفي غياب رؤية واضحة تربط بين الموارد المتاحة والنتائج المنتظرة.
ما يزيد من حساسية الموضوع هو السياق الاجتماعي الأوسع، حيث يواجه جزء من شباب الجالية تحديات حقيقية تتعلق بالبطالة، وضعف الفرص، وصعوبات الاندماج. في مثل هذا الواقع، يصبح أي حديث عن “تمويل الاندماج” دون نتائج ملموسة، عرضة للنقد، بل ومصدرًا للإحباط.
في النهاية، لا يمكن اختزال القضية في اتهامات أو تبريرات جاهزة. فوجود تمويل عمومي للجمعيات الدينية في إسبانيا أمر قانوني ويشمل مختلف الطوائف، لكن التحدي الحقيقي يكمن في تحويل هذا التمويل إلى أثر ملموس يشعر به الناس في حياتهم اليومية. بين خطاب رسمي يتحدث عن الاندماج، وواقع يطالب بالمحاسبة، يبقى السؤال مفتوحًا: هل نحن أمام نقص في الموارد، أم خلل في تدبيرها، أم فجوة بين المؤسسات والجالية التي يُفترض أن تخدمها.





إرسال تعليق