بتاريخ : أبريل 13, 2026 - 4:30 م
الزيارات : 256
بقلم: مريم مستور :
في مدينة برشلونة، حيث تتقاطع الثقافات وتتشابك الهويات، جاءت الدورة الثانية من سهرة قفطان قابة 2026 لتؤكد أن الثقافة المغربية ليست مجرد تراث يُعرض، بل قوة ناعمة تُمارَس، ورسالة حضارية تتجاوز كل الصور النمطية الضيقة.
افتُتح الحفل بأداء النشيدين الوطنيين المغربي والإسباني، في لحظة رمزية جسّدت الاحترام المتبادل والانتماء المزدوج الذي يعيشه مغاربة المهجر. وقد تولّت تقديم الأمسية الممثلة سامية أقريو إلى جانب ياسمين الخليفي، في تنشيط أضفى على السهرة طابعًا احترافيًا راقيًا.
وفي كلمتها، لم تكتفِ القنصل العام للمملكة المغربية ببرشلونة، السيدة نزهة الطهار، بالحديث عن القفطان كلباس تقليدي، بل قدمت قراءة عميقة له باعتباره إرثًا حضاريًا حيًا، مشيرة إلى مكانته المتنامية ضمن التراث اللامادي الذي تسعى اليونسكو إلى صونه. وأبرزت أن القفطان المغربي هو نتاج قرون من التراكم الفني، وأن المرأة المغربية كانت ولا تزال القلب النابض لهذا الفن؛ فهي الحافظة لأصالته والمجددة لروحه، حيث أضفت عليه لمسات فنية جعلته يتجاوز حدود التقليد ليصبح قطعة إبداعية عالمية.
كما أكدت، في السياق ذاته، أن الاهتمام بمكانة المرأة المغربية لم يأتِ من فراغ، بل يحظى برعاية سامية من جلالة الملك محمد السادس نصره الله، الذي ما فتئ يولي المرأة المغربية أولوية خاصة في مختلف خطاباته وتوجهاته، إيمانًا بدورها المحوري في بناء المجتمع وصون الهوية الثقافية. وهو ما يتجلى بوضوح في حضورها القوي في مجالات الإبداع، ومن بينها فن تصميم القفطان، الذي أصبح اليوم واجهة مشرفة للثقافة المغربية عبر العالم.
ومن هذا المنطلق، جاء عرض الأزياء ليكسر القوالب الجاهزة، مقدمًا القفطان برؤية عصرية جريئة، حيث اندمج مع أزياء حديثة، خاصة في تصاميم العروس، ليؤكد أنه لباس قابل للتجدد والتأقلم مع مختلف الثقافات. هذا التوجه، بحسب المنظمة والمصممة السيدة رحمة قابة، ليس مجرد اختيار جمالي، بل رسالة واضحة مفادها أن القفطان يمكن أن يكون لباسًا عالميًا يعكس هوية منفتحة دون أن يتخلى عن جذوره.
ولعل أبرز ما ميّز السهرة هو هذا التمازج الفني اللافت، حيث لم تقتصر الفقرات على عروض الأزياء، بل امتدت لتشمل أشكالًا تعبيرية متعددة، من بينها فن الرسم على الجسد، الذي قُدم كلوحة حية تجسد حرية التعبير الفني.
كما شهدت المنصة لحظات فنية مؤثرة مع إطلالة الفنانة سميرة القاديري على وقع صوت فيروزي، في مشهد ساد فيه صمت مهيب يعكس عمق تفاعل الجمهور.
وفي سياق الانفتاح ذاته، احتضنت السهرة عروض رقص أوروبية بطابع جريء، اعتمدت على حرية الجسد كوسيلة للتعبير الفني، وقد قُدمت بأسلوب احترافي راقٍ يعكس مدارس فنية معاصرة.
ورغم جرأة هذا الطرح، فقد قوبل بتفاعل إيجابي من الحضور، في دلالة واضحة على أن الجمهور المغربي، خاصة في المهجر، يتفاعل مع الفن بمختلف أشكاله، ويفصل بين التعبير الفني والأحكام النمطية الجاهزة.
ويكتسب هذا المشهد دلالة أعمق حين نضعه في سياق الخطاب السياسي الذي تحاول بعض الجهات الترويج له، وعلى رأسها حزب Vox، الساعي إلى اختزال المغاربة في صور نمطية ضيقة. غير أن ما جسدته هذه السهرة، المنظمة في إطار خاص وبحضور جمهور متنوع من مختلف الدول، يكشف حقيقة مغايرة تمامًا: مغاربة منفتحون، يعانقون الفن بكل تجلياته، ويتفاعلون مع مختلف الثقافات بثقة وانسجام، دون أن يفقدوا صلتهم بجذورهم.
كما تخللت الأمسية فقرات غنائية مغربية وإسبانية، كان من بينها حضور الفنان الشاب شعيب أنور بأدائه للأغنية الشعبية، واختُتمت السهرة على أنغام الفنان حاتم عمور، في أجواء احتفالية مميزة امتدت إلى حفل عشاء جمع الحضور في لحظة تقاسم ثقافي وإنساني.
إن سهرة قفطان قابة 2026 لم تكن مجرد حدث فني، بل كانت بيانًا ثقافيًا واضحًا: الهوية المغربية ليست انغلاقًا، بل قدرة على التفاعل والاستيعاب والإبداع المشترك. وفي زمن تتصاعد فيه بعض الخطابات الإقصائية، تأتي مثل هذه المبادرات لتؤكد أن الواقع أكثر غنى وتعقيدًا… وأكثر إنسانية.
إرسال تعليق