العيد في زمن الجراح… فرحةٌ مؤجلة وأمّةٌ تنزف

  • بتاريخ : مارس 20, 2026 - 12:33 م
  • الزيارات : 160
  • بقلم :مريم مستور :

    حلّ العيد… ورحل الضيف الكريم، شهر الرحمة والمغفرة، تاركًا في القلوب فراغًا لا يملؤه إلا الدعاء:
    اللهم لا تجعل هذا آخر عهدنا به، وأعده علينا أعوامًا عديدة وأزمنة مديدة ونحن في صحة وعافية. اللهم إنك عفو كريم تحب العفو فاعفُ عنا.
    لكن هذا العيد، ليس كغيره من الأعياد…
    فبين تكبيرات الفرح، تختنق الأصوات بأنين الألم، وبين مظاهر البهجة، تسكن مآسي أمةٍ أنهكتها الجراح.
    رمضان يمضي ويعود… تلك سنّة الحياة، لكن الإنسان إن رحل لا يعود. وبين رحيل الشهر الكريم، ودوام الأحزان، تتجدد الدعوات: اللهم أحسن خاتمتنا، واكتب لنا الخير حيث كان.
    في هذا العيد، والعالم الإسلامي يرزح تحت وطأة الحروب والاضطهاد، تتوارى مظاهر الفرح خلف صورٍ موجعة لا تغيب عن الذاكرة.
    في بقاعٍ عدة، يُقتل الأبرياء، وتُهدم البيوت، وتُقهر الكرامة الإنسانية في مشاهد تُبث أمام أعين العالم دون أن تحرك في كثير من الأحيان ضميرًا حيًّا.
    أما في فلسطين، فالمأساة أكبر من أن تُختصر في كلمات.
    هناك، حيث الأرض المقدسة، يعيش الإنسان تحت القصف والحصار، حيث يُقتل الأطفال، وتُفجع الأمهات، ويُدفن الأبرياء تحت الركام، في مشهدٍ يتكرر بلا توقف.
    انتهاكات صارخة، واعتداءات لا تراعي قانونًا دوليًا ولا مواثيق إنسانية، وكأن العدالة غابت أو غُيّبت عمدًا.
    وفي الوقت الذي تتعالى فيه صرخات الضحايا، يكتفي العالم—وفي مقدمته الأنظمة العربية—ببيانات التنديد، وقممٍ لا تتجاوز حدود الكلمات، في وقتٍ تحتاج فيه الأمة إلى مواقف ترتقي إلى حجم المأساة.
    يزيد الألم ألمًا حين يُمنع المسلمون من أداء شعائرهم في أماكنهم المقدسة، ويُضيَّق على المصلين في أقدس البقاع، حتى باتت بعض الشعائر مهددة أو غائبة، في مشهدٍ لم تعهده الأمة من قبل.
    وفي خضم هذه الأحداث، تنشغل بعض الأصوات بخلافات جانبية وصراعات فكرية تزيد التشتت، بدل أن توحد الصفوف في وجه الألم المشترك.
    وكأن الأمة، المثقلة بالجراح، أُضيف إلى أوجاعها انقسامٌ ينهش وحدتها ويُضعف صوتها.
    صورٌ قاسية تهز الضمير:
    نساء تُنتهك كرامتهن، أطفال يُقتلون بدمٍ بارد، أسرى يُعذبون أمام مرأى العالم…
    مشاهد لا تحتاج إلى تعليق بقدر ما تحتاج إلى إنسانيةٍ تُنقذ ما تبقى من هذا العالم.
    أمام هذا الواقع، لا يبقى للإنسان إلا أن يرفع يديه إلى السماء:
    يا رب… جئناك ببضاعةٍ مزجاة، قلوبٌ متعبة، وأيدٍ فارغة إلا من الرجاء فيك. لا نحمل إلا ضعفنا، ولا نقدم إلا انكسارنا، فأوفِ لنا الكيل، واغمرنا بعفوك، واقضِ لكلّ منا مسألته في عفوٍ منك وعافية.
    العيد هذا العام ليس فرحًا خالصًا…
    بل هو وقفة تأمل، وصرخة ضمير، ورسالة بأن الفرح الحقيقي لا يكتمل إلا حين تعود الكرامة لأصحابها، ويعمّ السلام أرضًا أنهكتها الحروب.
    وإلى أن يتحقق ذلك…
    سيبقى العيد دعاءً مفتوحًا، وأملًا لا ينطفئ.

    عيدكم مبارك سعيد وكل عام وانتم بالف خير.