بتاريخ : يناير 19, 2026 - 9:42 م
الزيارات : 511
بقلم:مريم مستور:
في سابقة لافتة من حيث الحجم والدلالة، احتضنت القنصلية العامة للمملكة المغربية بتراغونا لقاءً جماهيرياً مفتوحاً لمتابعة المباراة النهائية لكأس إفريقيا، التي جمعت المنتخب المغربي بنظيره السنغالي، في حدث تجاوز الإطار الرياضي ليكشف، مرة أخرى، حجم التحول الذي راكمته الجالية المغربية في الفضاء الأوروبي، وقدرتها على فرض صورتها بالفعل لا بالافتراضات المسبقة.
الدعوة التي وُجّهت دون بروتوكول، ودون انتقاء أو تمييز من السيد القنصل العام للمملكة المغربية بتراغونا اكرام شاهين ،استجابت لها الجالية بأعداد غير مسبوقة.
آلاف المواطنين المغاربة، من مختلف الأعمار والفئات، حضروا إلى القاعة في مشهد نادر، لم تشهده كتالونيا من قبل في مناسبة رياضية مرتبطة بجالية مهاجرة، وربما يُعد من أكبر التجمعات من هذا النوع على مستوى إسبانيا.
غير أن ثقل الحدث لم يكن في الكثرة العددية فقط، بل في السلوك الجماعي الذي رافقه. ففي وقت ما تزال فيه بعض الأوساط السياسية والإعلامية في أوروبا تربط تلقائياً أي تجمّع للمهاجرين باحتمال الفوضى، جاءت هذه المناسبة لتقلب المعادلة رأساً على عقب، وتُسقط خطاب الريبة والوصاية دفعة واحدة.
ورغم الحماس المشروع الذي رافق أطوار المباراة، ظلّ الحضور منضبطاً، واعياً، ومحكوماً بأخلاق المسؤولية الجماعية. بل إن لحظة إعلان خسارة المنتخب المغربي، التي غالباً ما تُعد اختباراً حقيقياً لأي تجمّع جماهيري، تحوّلت إلى مشهد صادم في هدوئه: انسحاب جماعي، صامت، منظم، وفي ظرف لا يتجاوز الدقيقة، دون تسجيل أي حادث أو توتر.
هذا السلوك لم يمرّ دون ملاحظة. مسؤولون إسبان حضروا اللقاء عبّروا صراحة عن دهشتهم من سرعة الانسحاب وطبيعته السلمية، في اعتراف ضمني بأن التوقعات المسبقة كانت خاطئة، وأن الجالية المغربية قدّمت نموذجاً يتجاوز الصور النمطية المتداولة.
المفارقة أن بعض هذه التخوفات لم تكن معزولة عن السياق العام الذي تعيشه الجاليات المهاجرة في أوروبا، حيث يُنظر إليها في كثير من الأحيان باعتبارها عبئاً أمنياً محتملاً، لا فاعلاً مجتمعياً واعياً.
ما حدث في تراغونا نسف هذا المنطق، وأثبت أن الجالية المغربية قادرة على التنظيم الذاتي، وضبط السلوك الجماعي، واحترام الفضاء العام، دون وصاية أو تضييق.
على المستوى الرياضي، قد يكون المنتخب المغربي قد خسر المباراة لأسباب تقنية وتكتيكية، لكن الخسارة لم تكن عنوان الأمسية. الربح الحقيقي تحقق خارج المستطيل الأخضر، حيث ربح المغرب صورته، وربحت الجالية احترامها، وربح المجتمع المضيف دليلاً عملياً على أن الاندماج لا يُقاس بالشعارات، بل بالممارسة.
ولا يمكن الحديث عن هذا الحدث دون التوقف عند الدور الذي لعبته القنصلية العامة للمملكة المغربية بتراغونا في شخص القنصل العام اكرام شاهين، التي اختارت الخروج من منطق الإدارة الباردة إلى منطق الحضور الميداني، فجمعت الجالية بدعوة مفتوحة، وحضرت وسطها دون حواجز أو مظاهر رسمية. خطوة تُحسب لها، وتعكس تحولاً مطلوباً في وظيفة التمثيليات الدبلوماسية، من تدبير الملفات إلى بناء الثقة.
إن الجالية المغربية، بكل اختلافاتها الاجتماعية والثقافية، أثبتت مرة أخرى أنها جالية ناضجة، متجذرة في قيمها، وقادرة على تمثيل بلدها بأعلى درجات المسؤولية. جالية تشهد لها دول الاستقبال بالعمل، والانضباط، والإسهام الاقتصادي والاجتماعي، رغم استمرار بعض الخطابات التي تصرّ على اختزالها في قوالب جاهزة.
ما جرى في تراغونا ليس حدثاً عابراً، بل رسالة واضحة:
المغاربة في المهجر لم يعودوا في موقع التبرير، بل في موقع الفعل.
ومن يراهن على الفوضى، عليه أن يراجع حساباته.
إرسال تعليق