اليوم العالمي للمرأة بين التكريم والواقع المرير

  • بتاريخ : مارس 10, 2026 - 12:28 م
  • الزيارات : 52
  • بقلم: مريم مستور:

    في الثامن من مارس من كل سنة، يحتفل العالم بـاليوم العالمي للمرأة، وهو يوم يُفترض أن يكون مناسبة للاعتراف بدور المرأة في بناء المجتمعات وتقدير تضحياتها. غير أن الحقيقة الأعمق تقول إن المرأة لا تحتاج إلى يوم واحد فقط للاحتفاء بها، فكل أيامها تستحق أن تكون عيدًا، لأنها الأم والمربية والعاملة والمناضلة، وهي أساس الحياة وعماد الأسرة والمجتمع.
    لكن وسط انشغالات الحياة اليومية وصعوباتها، قد نغفل أحيانًا عن حجم ما تقدمه المرأة من تضحيات. فيأتي هذا اليوم ليكون بمثابة تذكير للعالم بقيمتها وبالحقوق التي ما تزال في كثير من الأماكن بعيدة عن التحقيق الكامل.
    فالاحتفال بهذا اليوم لا يقتصر على الورود والكلمات الجميلة، بل يفتح أيضًا بابًا للتأمل في واقع كثير من النساء حول العالم. هناك المرأة التي تعيش وسط الحروب، تكافح من أجل البقاء وحماية أطفالها، والمرأة التي تقبع في السجون فقط لأنها عبّرت عن رأيها أو كشفت فسادًا. وهناك المرأة التي تتعرض للعنف أو الاغتصاب وهي طفلة بريئة، والمرأة التي تدفع حياتها ثمنًا لأنها قالت: كفى للعنف والظلم.
    كما لا يمكن أن ننسى المرأة المناضلة التي تواجه الضرب والقمع لأنها تدافع عن حقوقها وحقوق مجتمعها. هذه الصور المؤلمة تجعل من هذا اليوم أكثر من مجرد احتفال؛ إنه وقفة ضمير إنساني.
    تاريخ هذا اليوم نفسه مرتبط بنضال النساء. فقد ارتبطت بداياته باحتجاجات عاملات مصانع النسيج في الولايات المتحدة في بداية القرن العشرين، حيث خرجن للمطالبة بظروف عمل إنسانية وحقوق عادلة.
    كانت صرخة ضد الاستغلال والعبودية الصناعية، ودفعت بعض النساء حياتهن ثمنًا لذلك النضال، ليصبح هذا اليوم رمزًا عالميًا لمقاومة الظلم والمطالبة بالكرامة.
    وفي واقعنا اليوم، ما تزال المرأة في كثير من المجتمعات تخرج في الصباح الباكر للعمل، لا بدافع الطموح فقط، بل أحيانًا بدافع الحاجة لحماية أسرتها وتأمين مستقبل أطفالها. تعمل وتربي وتتحمل أعباء الحياة، وغالبًا بصمت وتضحية كبيرة.
    وهنا يطرح سؤال جوهري نفسه: هل حصلت المرأة فعلًا على حقوقها كاملة؟
    إن المتأمل في تعاليم الإسلام يجد أنه منح المرأة حقوقًا واضحة منذ أكثر من أربعة عشر قرنًا، من حقها في الكرامة والتعليم والملكية والمشاركة في الحياة الاجتماعية. لكن المشكلة في كثير من الأحيان لا تكمن في النصوص، بل في الممارسات والتقاليد التي قد تحرم المرأة من تلك الحقوق.
    وفي المقابل، يطرح البعض نموذج المرأة الغربية باعتباره مثالًا للحرية الكاملة. غير أن الواقع يظهر أن الطريق ما زال طويلًا حتى في تلك المجتمعات، حيث تستمر قضايا التمييز والعنف والاستغلال بأشكال مختلفة، وإن تغيرت صورها.
    لذلك، يبقى اليوم العالمي للمرأة فرصة ليس فقط للاحتفال، بل للتفكير الصادق في واقع المرأة أينما كانت، والعمل من أجل عالم أكثر عدلًا وإنصافًا. عالم تُحترم فيه المرأة لكونها إنسانًا كامل الحقوق والكرامة، لا شعارًا موسميًا يُرفع في يوم واحد من السنة.
    فالمرأة ليست مجرد نصف المجتمع، بل هي التي تلد النصف الآخر وتربيه، وتصنع مستقبل الأوطان. ولذلك، فإن تكريمها الحقيقي لا يكون في يوم واحد، بل في كل يوم، وفي كل موقف يضمن لها الكرامة والعدل والأمان.